يقول الله تعالى في كتابه الحكيم: (إنك ميت وإنهم ميتون، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون).. تصور وأنت تحاسب يوم القيامة يظهر لك خصوم، أنت لا تعرفهم ولم ترهم ويخاصمونك أمام الله، ويأخذون من حسناتك، وأنت في أشد الحاجة لحسنة ترجح موازينك، ليغفر الله لك بها.

هؤلاء الخصوم الذين لا نلقي لهم بالا بالدنيا فكم من شخص وأنت تقود سيارتك يعترضك بقصد أو بدون قصد، فتشتمه وتمضي، سمعك أم لم يسمعك، فقد سمعك الله تعالى، وأصبح خصماً لك يوم القيامة، وأنت لا تعرفه.

وكم مرة رأيت شخصا لا تعرفه في الشارع فعلقت أمام من معك على لبسه أو شكله أو هيئته، أو تصرف قام به، وسجلت عليك غيبة لشخص، سيكون خصيما لك يوم القيامة وأنت لا تعرفه.

وكم مرة تشاجرت مع شخص ما، فشتمت أمه أو أباه أو أهله، ويكون هؤلاء كلهم خصماء لك يوم القيامة، وأنت لا تعرفهم.

وكم مرة وأنت في حوار مع شخص ما، وتحدثتم في أمور أحد البلدان، فقلت عنهم، مثلا: الشعب المصري كذا، أو الشعب السعودي كذا، أو الشعب البنغالي كذا.. ولم يدر في بالك أنك ستقف خصمهم فردا فردا لكل ذلك الشعب أمام الله يوم القيامة، بأن شملتهم بغيبتك أو بقذفك أو بشتمك، وأنت لا تعرفهم.

تصور أن يكون "شعب بالكامل، خصمك أمام الله يوم القيامة، لكلمةٍ لم تلق لها بال، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلىَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَقْتَصُّ الْخَلْقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، حَتَّى الْجَمَّاءُ مِنْ الْقَرْنَاءِ، وَحَتَّى الذَّرَّةُ مِنْ الذَّرَّةِ) رواه أحمد.

إن العبد ليجيء يوم القيامة، بأمثال الجبال من الطاعات، فيرى أنهن سينجينه، فما يزال عبد يجيء فيقول: رب إن فلاناً ظلمني بمظلمة، فيقول: أمح حسناته.

فأنظر يرعاك الله كم خصيما سيأتي يوم القيامة ليقتص منك، ويأخذ من حسناتك؟

فإن غضبت وزل لسانك وشتمت أحدا أو قذفته فعاجل بالإستغفار، لك ثم له، وقل: "اللهم اغفر لي ولأخي"، وادع له ولأهله، فإن الحسنات يذهبن السيئات، واستغفر وتب إلى الله تعالى.. رب إغفر لي ولوالدي، ولمن لهم حق علي، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات اﻷحياء منهم واﻷموات.. اللهم اغفر لي ولكل من سببته أو شتمه أو علقت عليه بكلمة أو نظرة.

والقصاص سيكون شاملا وعاما بين جميع الخلائق:
1- يقتص المؤمن المظلوم ممن ظلمه من الخلائق، مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم.عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
( إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ ) رواه البخاري.
2- ويقتص الكافر المظلوم أيضا ممن ظلمه من الخلائق : فيقتص من الكافر الظالم ، ويقتص من المسلم الظالم المعتدي ، لعموم حديث أبي هريرة السابق: (يقتص الخلق بعضهم من بعض).3- وتقتص الدواب بعضُها من بعض : وهي وإن كانت غير مكلفة ، إلا أن قصاصها قصاص مقابلة واستحقاق ، كي يقام العدل الذي به تقوم السماوات والأرض .عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ ) رواه مسلم.
وروى أحمد في "المسند" وحسنه المحققون ، وكذا الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة"، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا ، وَشَاتَانِ تَقْتَرِنَانِ ، فَنَطَحَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى فَأَجْهَضَتْهَا ، قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : عَجِبْتُ لَهَا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُقَادَنَّ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . أي لَيُقْتَصَّنَّ لها).