طالت الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على أراضيه وسط تجاهل رسمي لأوضاعهم و"تقهقر" دور وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين "الأونروا" وتراجع خدماتها مع انحسار التمويل الدولي لها في ظل ما يحكى عن محاولة تدعيم فرص إنجاح "صفقة القرن" الأمريكية.

ويفتقد اللاجئون الفلسطينيون في مخيماتهم الـ11 الممتدة على الخارطة اللبنانية لأبسط مقومات الحياة الإنسانية منذ لجوئهم بفعل النكبة، ليحرموا من العيش بكرامة بعيدا عن وطنهم وذلك بفعل عوامل سياسية وأمنية واقتصادية.

وبدا لافتا التململ الرسمي اللبناني من الوجود الفلسطيني في لبنان بشكل مباشر وغير مباشر خلال السنتين الماضيتين، وبرز ذلك أيضا من خلال إجراءات ضاغطة بدءا من إقامة جدار حول مخيم عين الحلوة شبيه بالجدار العازل في الضفة الغربية وصولا إلى قرار وزير العمل السابق كميل أبو سليمان الصيف الماضي بمنع الفلسطيني من ممارسة عمل من دون حصوله على إجازة عمل وهي سابقة لم تشهد العلاقات الفلسطينية لها مثيلا وقد صنفتها منظمات حقوقية بأنها شكل من التمييز.

وتسبب هذا التمييز في اندلاع تحركات شعبية رافضة في المخيمات قبل أن تعصف الأزمة الداخلية اللبنانية بالمشهد الفلسطيني الغاضب، في الوقت الذي تراجعت فيه مفاعيل قرار وزير العمل مع تغير الحكومة التي كان يرأسها سعد الحريري بأخرى برئاسة حسان دياب وانهماك مجلس الوزراء الجديد بترتيب أوراقه لمواجهة التحديات الداخلية، ما دفع بالمشهد الفلسطيني إلى التراجع في أجندة اهتمامات الساسة اللبنانيين.

غير أن المخيمات الفلسطينية كانت حاضرة بالنسبة لأبنائها، من حيث تواصل المبادرات الإغاثية والطبية، وكذلك حال الاحتضان والوعي الشعبي لإجراءات الوقاية التي عملت خلالها الهيئات والجمعيات الإنسانية لمنع تفشي وباء "كورونا" في مخيمات ذات كثافة سكانية هي الأعلى في البلاد، حيث يقطن في مساحة تقارب 1.5 كلم (عين الحلوة) ما يقارب الـ80 ألف فلسطيني، ما يعني أن تفشي الوباء سيشكل كارثة بكل المقاييس.

ومع تجاوز الفلسطينيين لخطر الوباء نسبيا، كانت الأوضاع الحياتية تزداد سوءا خصوصا في شهر رمضان الذي جاء مختلفا عن كل الأعوام السابقة في المخيمات.

اقرأ أيضا: FP: هكذا قتلت أزمة لبنان المالية الطبقة الوسطى بالمجتمع

الواقع الصعب

وتحدث المسؤول في مخيم عين الحلوة أبو حسام زعيتر عن واقع "صعب عاشته المخيمات بفعل قرار وزير العمل السابق وما تبعه من حراك شعبي رافض والأزمة المتعلقة بكورونا التي أفقدت عددا كبيرا من الفلسطينيين وظائفهم وأغلبهم مياومون مع إغلاق العديد من المؤسسات لأعمالها بفعل الجائحة التي عصفت بالعالم".

وانتقد زعيتر في حديثه مع "عربي 21" غياب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين- الأونروا لغيابها عن "المشهد الإغاثي و عدم وضع خطط إنقاذية جدية والالتزام بما أطلقه مسؤولوها من وعود".

وأثنى على جهود مؤسسات اجتماعية وإغاثية خلال وقبل شهر رمضان المبارك في "تقديم العون والمساعدة بحسب ما تمتلكه من قدرات وما يتوفر لديها من إمكانيات، كما سجلت مبادرات فردية من قبل مغتربين فلسطينيين تحديدا، لكن هذه الجهود تبقى شحيحة قياسا إلى حجم الأوضاع الصعبة التي يمر بها أبناء المخيمات".

ونوّه زعيتر إلى أن "شهر رمضان مر على المخيمات بشكل مختلف بفعل وباء كورونا وإجراءات التحوط من انتشاره مع استفحال الأوضاع الاقتصادية في ظل ما ذكرته سابقا من أسباب وعوامل"، مشيرا إلى أن "لجنة الطوارئ في المخيم تعمل لتعزيز الإجراءات الوقائية وهي منبثقة عن هيئة العمل الفلسطيني المشترك، غير أن الاكتظاظ السكاني في المخيمات يحول دون تطبيق إجراءات العزل لأنه لا تتوفر أصلا منازل واسعة ومساحات كافية، وبالتالي يتضح للوافد إلى المخيم وجود حركة المرور إضافة إلى تواجد عدد من الأهالي في الشوارع".

اقرأ أيضا: خارطة الفقر تتسع في لبنان.. وتشاؤم من توفر حل قريب

مبادرات ذاتية

ومن جهته، استذكر عضو اللجنة الشعبية في مخيم المية ومية أحمد الخطيب العادات الفلسطينية خلال شهر رمضان المبارك، وقال: "يحمل رمضان كل عام خصوصية مميزة لدى أهالي المخيمات حيث كانت الجمعيات والهيئات والمساجد تعد العدة لاستقبال الشهر الكريم من خلال تزيين الشوارع بناء على ثقافة دينية واعية وحرص على استقبال شهر الخير بحلة من البهجة والسرور"، مضيفا: "حرمنا في هذا العام من إقامة الصلوات في المساجد بناء على الرخصة الشرعية التي أجازت ذلك، ما سبب حزنا كبيرا خفف من حدته التئام العائلات في إطار محدود ما أسهم في تقارب اجتماعي كان ناقصا سابقا بفعل مشاغل الحياة".

وأبدى الخطيب أسفه لغياب "الإفطارات الجماعية التي لطالما كانت سمة بارزة في المخيمات حيث يتشارك الجميع مائدة واحدة تنصهر فيها القلوب وتذوب فيها الخلافات" مضيفا: "توسمنا خيرا بعودة صلاة الجمعة الأسبوع الماضي، لكن الوباء عاد ليضرب من جديد ما حرمنا لذة إحياء العشر الأواخر من رمضان".

وتطرق الخطيب إلى تردي الأوضاع الحياتية في المخيمات منذ شهر تموز/ يوليو الفائت حيث "فقد العديد من الشبان وظائفهم"، وقال: "رغم فداحة الأزمة إلا أن المبادرات الفردية كانت مميزة حيث نشط الكثيرون في فعل الخير ومساعدة من هم أشد حاجة وفقرا".

وأردف: "وكان لافتا هذه الروح الرائعة التي تجمع أبناء الشعب والمخيم الواحد، إلى جانب عمل الجمعيات الخيرية التي عملت على تأمين مساعدات غذائية لجميع العائلات من دون استثناء، كما كان لجمعية الشفاء دور هام في تعقيم المخيمات خمس مرات حتى الآن والعمل على اتخاذ الإجراءات الوقائية المتبعة لتحصين المخيم من خطر الوباء".




{rssubDate}